
كتب | محمد الحامد
قد لا يَجدر بمثلي أن يكتب عن علاقته وعمله في هذه الإذاعة الخالدة، غير أنني أقنعت نفسي بأن لا بأس في أن أدوّن بعض المشاهدات التي قد تسرقها السنوات من الذاكرة.
والمناسبة اليوم — مرور خمسين عامًا على التأسيس — استثنائية بما يكفي لأن تدفعني للكتابة، ولو في اللحظات الأخيرة قبل طباعة هذا الكتاب.
قبل البداية:
منذ أن كنت طفلا، كان أبي، ابوبكر محسن “رحمه الله” يأخذني معه بعض الأحيان بدراجته النارية الحمراء الى معشوقته (إذاعة الشعب) كما يُطلق عليها آنذاك، حينها كان مبنى الإذاعة في بيت الكاف، (بجانب مكتب الثقافة حاليا)، تلك الفترة كانت آواخر الثمانيات و التسعينات، وكنت أراقب بشغف كيف يعمل أبي و زملاؤه، في حين كانت الحميمية والدعابة والروح المرحة تسود تلك الاجواء، وهي لازالت الى وقتنا هذا ولكن بنسبة أقل.
البداية:
عندما تحصلت إذاعة سيئون على ماتبقى من المنحة اليابانية المخصصة لها، (محطة إرسال MW)، تم تركيبها عام 2001 بمنطقة ذي أصبح (على الطريق الواصلة بين سيئون و شبام)، “حينها وسّعت الإذاعة طاقمها الفني تمهيدًا لتشغيل المحطة عام 2002، فالتحقت بها متدربًا في مجال هندسة الصوت، كنت حينها طالبًا في الثانوية العامة، فبعد انتهاء الدوام المدرسي، أذهب مشياً وقت الظهيرة الى الاستديو الوحيد للإذاعة الذي تلتصق به غرفة البث، الواقع في حوش “فناء” تابع لمؤسسة الإتصالات بجانب “مسجد حسن” و فرزة المكلا حاليا، بالسوق العام لمدينة سيئون. وكانت أجهزة الاستديو وحتى الميز، نفسها التي كنت أراها في طفولتي بمبنى الكاف ” سالف الذكر”.
فني صوت و محرر أخبار و شارع الإذاعة:
أول ماتدربت كـ فني صوت على يد العزيز /صالح باصالح الله يعطيه العافية، وكنت مساعدا له في نوبته، وبعد أن إكتسبت اليسير من المعرفة، أعطاني سريعا الثقة، فكان يغادر النوبة عندما آتي، ويتركني، أصارع أجهزة الريل والكاسيت والمسكر الذي يُسرّب الصوت (تداخل بين قنواته)، لكن هذا الأمر أكسبني الخبرة والثقة بنفسي، فتحية له من صميم القلب.
العمل كـ فني صوت في تلك الفترة وقبل تشغيل محطة MW، في إعتقادي هو نفس الجو الذي عاش عليه الرعيل الأول (رحم الله من توافهم، و أطال الله في أعمار من بقي)، حيث كانت نفس المعدات، والعمل متعب جدا، ويتطلب سرعة، وسباق مع الزمن، خصوصا في البرامج المباشرة، فعند البحث عن أغنية محددة او مقطع محدد، في أشرطة الريل او الكاسيت التي تضم العديد من المقطوعات، أمر يحتاج الى سرعة كبيرة في التحضير، ولاشك أن الفرق شاسع و هائل جدا بين الوضع الحالي وماقبل 21 عاما.
في تلك الفترة كان من الزملاء المتدربين مثلي، العزيز / خميس قطمير، وكذا الزميلين الفنان منير هبيص و طلال باجري (رحمه الله) الذين انقطعا ثم عادا بعد سنوات.
عندما تم تدشين البث رسميا عام 2002من محطة MW بذي أصبح ، الذي احتوى مبناها على أستديو للبث، أحدث نوعا من السابق، كان يضم مكسر صوت كبير و مشغلات لـ الكاسيت، CD وأشرطة الريل، ولكن مسجلات الريل كانت جديدة و أفضل بكثير من ذي قبل، كونها تتميز بأزرار تحفظ التحضير المسبق للمقطوعات الصوتية، وغيرها من المميزات. تشرفت يوم التدشين بالمشاركة في تنفيذ النوبة، التي رافقها احتفاء رسمي، وذلك كمساعد للمهندس العزيز سالم مرعي، ثم لحقتها نوبات أخرى مساعدا للمهندس العزيز صبري باصويطين.
وخلال تلك الفترة، وبالتزامن مع عملي كفني صوت، إلتحقت بإدارة الأخبار، وكانت المكاتب الإدارية للإذاعة حينها في شقق بالعمارة التي يقع أسفلها حاليا مطعم الجابري بشارع المطار، هذا الشارع الذي فيمابعد تنقلت الإذاعة بين عمائره، وبجواره كذلك الأرض التي تملكها الإذاعة، و التي وضع عليها حجر الأساس لمبنى لم يرى النور، لهذا حُقّ للإعلامي المخضرم / هشام علي حفظه الله، أن يقترح تسمية هذا الشارع بـ “شارع الإذاعة”، وقد أصدرت السلطة المحلية لاحقا قرارا بذلك، ولكن لا أدرى لماذا لم يُعمم حتى الآن.
وبالعودة الى عملي بإدارة الأخبار التي كان يديرها بإخلاص منذ ذلك الوقت والى اليوم، العزيز توفيق شيخ، فكانت بدايتي كجميع السابقين الذين اشتغلوا في هذا المجال، وهو تسجيل نشرات الاخبار المركزية في أشرطة الكاسيت من الراديو، ومن ثم تفريغ وكتابة الأخبار التي تناسب سياسة الإذاعة على الورق. في تلك الفترة أيضا لا أنسى تشجيع العزيز عبدالباسط باصويطين (مدير عام وكالة سبأ حاليا) وتحفيزه لي على خوض مجال إعداد التقارير الإخبارية.
بعد إستمرار عملي بإدارة الأخبار أسندت لي مهمة تسجيل و إعادة كتابة فقرة عناوين الصحف التي تبث يوميا ضمن برنامج (الفترة المفتوحة) الإسم السابق لبرنامج (صبحكم الله بالخير)، وبالمناسبة أتذكر انه عندما يفوتني أحيانا تسجيل عناوين الصحف من الراديو، كنت أذهب الى مقاهي الانترنت ( بداية ظهورها) وأطالع عناوين الصحف ثم أكتبها على الورق، وأذهب بها مهرولا الى استديو البث.
ولكوني متطفل على التكنولوجيا منذ الصغر، أُضيفت لي مهمة طباعة الرسائل والخطابات الإدارية عندما إستلمت الإذاعة أول جهاز كمبيوتر لها، وللأمانة حينها كنت لا أعرف الطابعة و التعامل الجيد مع الورد، لكن الزميل العزيز عبدالمجيد عاشور (مدير الإعلانات حينها، مدير إذاعة الماهر بتريم حاليا) كان يرشدني الى الأساسيات. هذه التجربة أُوقن أنها أضافت لي الكثير من مهارات المراسلات والخطابات الإدارية منذ وقت مبكر، كيف لا وكاتبها كان البارع في صياغتها المدير الأسبق أحمد محفوظ بن زيدان.
قرار حاسم:
بعد إكمالي الثانوية العامة (قسم علمي)، تم قبولي في قسم الهندسة الكيميائية بجامعة حضرموت بالمكلا، ورغم سفري للمكلا وترتيب كافة الامور ومنها السكن، الإ أنني ترددت كثيرا، في الإنتقال الى المكلا للدراسة الجامعية، و ترك الإذاعة، او البقاء فيها مع الدراسة إنتسابا في كلية الإعلام، حينها كانت الحوافز المالية في الإذاعة ضئيلة جدا جدا ويتم دفعها بعد كل ثلاثة أشهر، وليس شهريا. لكني رأيت في سريرة والدي انه كان يرغب أن اختار الخيار الثاني، رغم أنه لم يبح لي بذلك، وترك لي حرية القرار، والحمدلله وبنصيحة العزيز صالح باصالح اتخذت القرار الذي لم أندم عليه مطلقا.
برامج في الذاكرة:
أستمر عملي في الاذاعة حتى الآن، وحصلت على الوظيفية الرسمية عام2007، ورغم أني نفذت العديد من البرامج والمسلسلات خصوصا بعد أن أصبح إستخدام الحواسيب في عمل الاذاعه رسميا، إلا ان هناك اسماء برامج كنت نفذتها بالنمط القديم، بقيت عالقة في ذهني منها : (مشوار) وهو برنامج اسبوعي يعده ويقدمه العزيز عبدالباسط باصويطين، Abdul Bast Basowteein وهو أول برنامج أسند لي تنفيذه عام 2002(نظام الريل القديم)، وفي تلك الفترة أيضا، تشرفت بتنفيذ برنامج (فنجان قهوة) لأن الذي يعده ويقدمه هو المؤرخ الشهير و الأديب المُعمّر جعفر السقاف، كما حظيت بتنفذ برنامج (حبر القلم) للوالد الاستاذ سالم العامري (أول مدير عام للاذاعة)، ولن انسى برنامج “منتديات” مع الزميل الإعلامي نبيل سعيد .
أما أهم برنامج محفور في ذاكرتي، رغم انه حلقة واحدة فقط، هو برنامج (الرحلة) وقد بثته حينها أغلب الإذاعات في اليمن، وهو بمثابة رحلة إلى أهم مدن ومعالم وادي حضرموت. استغرق إنتاج تلك الحلقة ثلاثة أيام، كونه أول برنامج أنتج بشكل كامل بالنظام الرقمي، كان من إعداد وتقديم الإعلامي الفذ/ هشام علي، واشتركت في تقديمه المذيعة/ فاطمة الخالدي من إذاعة الحديدة، كان ذلك عام 2006 تقريبا.
النظام الرقمي:
وبالمناسبة فإن الإنتقال الى النظام الرقمي، مر بمرحلة سابقة، مهدت في ذلك الإنتقال، وهي نسخ وتحويل اشرطة الكاسيت الى الكمبيوتر، ليسهل بعد ذلك مونتاج الصوت،
وقد أرشدني الى ذلك المهندس المبدع/ حسن السقاف(الرفيق) عندما كنت أقوم بإنتاج برنامج (مع الأوائل) تقريبا خلال عامي (2004/2005) وهو برنامج يعكس المسابقات الثقافية الطلابية، كان يقوم بها مكتب التربية والتعليم بوادي حضرموت والصحراء بين المدارس في المديريات، وكان والدي رحمه الله، حريص على متابعة تنفيذ هذا البرنامج من خلال متابعاته الحثيثة لمكتب التربية لإستمرار تلك الأنشطة اللاصفية، ويقوم الزميل هود باسيود بتسجيلها للإذاعة، ليستمع إليها الأهالي، خصوصا أهالي الطلبة والطالبات المشاركين.
أما مراحل وتفاصيل التحول الرقمي، فيحتاج موضوع مستقل، وفي بقية هذا المقال بعض الإشارات العابرة.
مهام إدارية:
وخلال سنوات عملي في الإذاعة تحصلت على دروات تدريبية داخل اليمن وخارجها،
وفي بداية عام 2017، عندما عُيّن العزيز / صالح فرج مديرا عاما لإذاعة سيئون، وبعد أن أتممت برنامج الماجستير المهني في إدارة الأعمال والتسويق، أسندت لي لأول مرة مهام إدارية، منها إعداد خطة خمسية للإذاعة، واصبحت حينها عضوا في هيئة التحرير التي تُقر البرامج والخارطة الفصلية.
وفي ظل تلك المساحة والثقة من الإدارة أنشئت و أدرت قسم السوشل ميديا، الذي دُشن رسميا اواخر عام 2017، بعد أن تولي العزيز / هدار محمد الهدار إدارة الإذاعة، الإ أن التطور الملحوظ لهذا القسم، حدث خلال السنوات الأخيرة، بفضل جهود الزملاء الأعزاء، ودعم منظمةٍ أجنبية.
فرص:
وبالتزامن مع عملي في الإذاعة وخلال تلك السنوات كنت أمارس العمل الصحفي بشكل متقطع، فقد عملت لفترة قصيرة مع صحيفة ثمود، بداية تأسيسها بقيادة الاستاذ القدير/ سالم العامري، كما شاركت في بعض الدورات الافتراضية التي منحت لي فرصا للسفر خارج اليمن لحضور ملتقيات إعلامية.
ففي اواخر عام 2019 واثناء حضوري ملتقى أريج للصحافة الاستقصائية ARIJ في العاصمة الأردنية عمّان، إلتقيت على هامش الملتقى بمنظمة أجنبية تسهم في دعم وسائل الإعلام IMS، وبتوفيق الله تم التشبيك بينها و بين إذاعتنا الحبيبة، كون الإذاعة عريقة و تتميز ببرامج تعايش حياة المواطنين، وتضم كوادر مميزين، ولن انسى الثقة التي أولتني إيها إدارتها الشابة، حيث سهلت كافة الإجراءات.
هذه الشراكة ساهمت مؤخرا بشكل كبير في تنفيذ رؤية جعلت الاذاعة تسعى لمواكبة الرقمنة، و التطورات الحديثة لوسائل الاعلام العربية والعالمية، حيث تم تنفيذ دورات متخصصة للزميلات والزملاء، وشراء معدات حديثة. ومن أبرز أثر هذه الشراكة: تفعيل نظام الأتمتة الذي سهل العمل البرامجي وجعلها تبث على مدار الساعة، وكذا تعلم مهارات تطوير وعمل المنصات الاجتماعية، وإنشاء موقع الكتروني جديد اكثر تطورا، من خلاله ومن أي مكان في العالم، أصبح الإستماع لبث الإذاعة 24 ساعة سهلا، و كما يعكس الموقع محتوى برامج الاذاعة، بشكل سلس وجذاب.
قبل الختام:
بالعودة الى العنوان الفرعي لهذه السطور، دعوني اخبركم بما يسره ويخفيه زملائي (ضباط الصوت) بشأن ذلك الكابوس المتكرر الذي يلاحقنا خلال السنوات الاولى من الإلتحاق بهذا المجال، وقد يستمر بشكل متباعد، حيث يرى أغلب الزملاء في منامهم، وكان الكل يظن انه هو فقط من يرى هذا الكابوس، ولكن عندما قال أحدهم ذات مرات مره انه رأى في المنام أنه في نوبته الاذاعية و ان صوت الإذاعة يسكت او ينقطع فجأة، وهو يحاول جاهدا بشتى الطرق ان يشغل أي فاصل او محتوى لكي لا يبقى فراغ (صمت في البث)، ولكن لايستطيع، وتزيد مدة السكوت ويزيد قلقه و تبقى جميع محاولته فاشلة. حينها ضحك جميع الزملاء المتواجدين وقال جميعنا:”أن هذا الكابوس لا يفراقنا”.
ختاما، أترحم على من نقل جينات عشق الإذاعة إلى دمي، رحمة الله تغشاك يا والدي يا أول من قال هنا سيئون إذاعة الشعب، وتحية حب سرمدي على ملهمي القدير /هشام علي السقاف، ولن أنسى تشجيع بوفهمي القدير سليمان مطران، وللبقية تحايا تتدفق.
..انتهى#
* ملاحظة:
الصورة ع اليمين/ مع أبرز مؤسسي الإذاعة، الأعزاء/ هشام علي و سالم العامري
الصورة ع اليسار/ مع المديرة العامة لشبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) ، رئيسة مجلس إدارة المنتدى العالمي لتطوير الإعلام (GFMD)، القديرة روان الضامن

