إذاعة_سيئون | خاص
غيّب الموت اليوم الاثنين في مدينة تريم بمحافظة حضرموت الشخصية الثقافية والفنية والاجتماعية البارزة، المطرب والملحن القدير حسن بن صالح تيسير باحشوان، عن عمر ناهز السادسة والسبعين عاماً، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الفني والثقافي حُفرت في ذاكرة الوطن والتراث الموسيقي.
ولد الراحل في مدينة تريم عام 1950م، ونشأ في أحضان أسرة فنية عريقة أنجبت العديد من المبدعين، وفي مقدمتهم شقيقه الأكبر الشاعر والملحن محفوظ صالح باحشوان.
بدأ حسَن باحشوان مسيرته الفنية في أواخر الستينيات (نحو عام 1967م)؛ حيث تأثر في بداياته المبكرة بصوت وفن الفنان الكبير محمد سعد عبد الله، وترددت على صوته روائعه الغنائية.
برز أداؤه في تلفزيون وإذاعة عدن عام 1971م ليخطف الأضواء بين عمالقة الفن اليمني آنذاك؛ حيث عُرف بحضوره الأنيق وصوته العذب وصياغته الألحان المعبرة عن الأرض والريف والبادية والإنسان الحضرمي.
وقد حظي الراحل بإشادات واسعة من قيادات سياسية وقامات فنية كبيرة؛ فقد أشاد بأدائه وغنائه للفلاحين والأرض الرئيسُ الأسبق سالم ربيع علي (سالمين)، كما أشاد به الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي أثناء خدمته في الفرقة العسكرية. وحين زار الفنان محمد عبده حضرموت في الثمانينيات واستمع إلى عزفه وصوته في قصر القبة بعشّه، عبّر عن إعجابه الكبير بإبداعه.
ولم تقتصر مسيرته على الداخل، بل مثّل اليمن في مشاركات خارجية بارزة؛ ففي عام 1973م شارك في رحلة فنية إلى دولة الكويت لصالح دعم بناء ملعب الشهيد بارادم بمدينة المكلا برفقة الفنانين عبد الرب إدريس وفيصل علوي وعائشة أحمد ومحفوظ بن بريك، وقدم خلالها أغنيته الشهيرة “أنت السعادة” التي نالت إعجاب أمير دولة الكويت واحتضنه تقديرًا لفنه.
كما شارك مع الفنان فيصل علوي في إحياء حفلات للطلاب اليمنيين في جمهورية مصر العربية، والتقى هناك بالموسيقار فريد الأطرش الذي أبدى إعجابه البالغ بتقاسيمه وعزفه على العود، وامتدت رحلاته الفنية إلى سنغافورة وماليزيا والعراق والأردن.
يُعدّ حسن باحشوان رائدًا من رواد التلحين في اليمن وصانعًا لأطر جمل موسيقية فريدة؛ إذ صاغ المقدمات واللمسات الموسيقية لأغنيات الدان الحضرمي الشهيرة للشاعر الكبير حداد بن حسن الكاف: “عشقة الخرد”، و”بلغ سلامي يا نسيم السحر”، و”طاب الأنس في دار بو علوي”.
كما ارتبط بشراكات فنية ثرية مع كبار شعراء الأغنية؛ فشكّل ثنائياً فنياً مع الشاعر الراحل عبد القادر الكاف (ومن أعمالهما: “أنت الأمل”، و”بعد ما خدعوك بالأسلوب”، و”لا تصدقونه”، و”هات لي خبر من سعاد”، و”اشتقنا لك”).
ولحّن للشاعر الكبير حسين أبوبكر المحضار ( منها أغنية “ما غربت الشمس في المغرب ولا بالليل”)، وللدكتور جنيد محمد الجنيد، والدكتور عمر بن شهاب، والشاعر راشد الجابري، وسعيد عبد الله الجابري، وعبد الكريم باغوزة، وسالم عبيد باحشوان، و بن سالم علي، وغيرهم كثير.
تغنّى بألحانه كبار المطربين في اليمن والخليج، أمثال: كرامه مرسال، وبدوي زبير، وعبد الله الرويشد، وعبود الخواجة، وحسين بن عثمان.
وكان الفنان الراحل محمد سعد عبد الله يُكِنّ له تقديرًا خاصًا، حتى إنه منح الراحل والفنان إذناً مفتوحاً للتغني بجميع أغانيه دون حاجة لاستئذانه.
لم يكن الراحل الفنان حسن باحشوان ملحناً ومطرباً وشاعراً يكتب بعض قصائده ( أغنية “يلا برحمة جود”) فحسب، بل تميز أيضاً بإتقانه الشديد لفنون النجارة والنقش والنحت على الخشب، واهتمامه البالغ بتوثيق وحفظ الموروث والشغف بالتراث الحضرمي.
وقد جرى توثيق سيرته ومسيرته الإبداعية الحافلة في كتاب أعده المهندس الصحفي سعيد سالمين شكابة بعنوان: “باحشوان.. الفنان الإنسان رائد الألحان”، والذي اشتمل على ستة أبواب توثق حياته وأعماله وشواهد الصحافة والإشادات الفنية التي نالها من قامات كبار الملحنين.
برحيل الفنان والملحن الكبير حسن بن صالح باحشوان، تفقد الساحة الثقافية والفنية الحضرمية واليمنية هرمًا فنياً شامخًا وأحد حراس الموروث الأصيل، بعد رحلة طويلة أثرت المكتبة الموسيقية بأعذب الألحان والنغمات.
رحم الله الفقيد الراحل بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه والوسط الفني والثقافي الصبر والسلوان.

