إذاعة سيئون | بقلم أ. سالم العامري
شهدت الخمسينات طفرة واسعة في تأسيس وانطلاق الإذاعات .. هذا الصندوق السحري المدهش .. وقد تم افتتاح أول إذاعة في الجزيرة العربية عام ١٩٥٤ في عدن التي كانت تخضع لحكم الاستعمار البريطاني .. إبان ازدهار الإمبراطورية التي لاتغرب عنها الشمس .. وفيما كانت الدول الاستعماريه تتقاسم النفوذ والهيمنه على العالم كانت الثوره العلميه والتكنولوجيه قد بلغت ذروتها في كافه مناحي الحياه الانسانيه .. وفي مجال الإعلام شهدت الاذاعات انتشارا وانتعاشا كبيرا من خلال التمويلات الضخمه من الحكومات .. كماحظيت باهتمام ومتابعه كافه أفراد شعوب العالم لخصوصيه جهاز الراديو لسهوله اقتنائه وبساطه استخدامه من قبل كل شرائح المجتمع. وفي أجواء منتصف الخمسينات شهد العالم قفزه هائله في صناعه وانتشار الراديو والاذاعات .. خاصه في المرحله التي تم فيها صناعه الراديوهات ( الترانزيستور ) التي تعمل بالبطاريات الجافه حيث وصل ذلك الاختراع مستوى مذهلا من خلال تصميم الراديوهات الصغيره التي حجمها بحجم كف اليد الواحده. وفي اوج الازدهار التجاري والحضاري لمدينه عدن التي كانت تعد ثالث ميناء في العالم كانت الشركات التي كان اشهرها شركات ( فيلبس ) و ( وهيتاشي ) و ( باناسونيك ) تتنافس على تسويق هذا الظيف الجميل وكان الناس تبتهج لاقتناء هذا الانجاز الخرافي.
وفيما كانت عدن كذلك كانت بلدان شرق أفريقيا كينيا واوغندا وتنزانيا تحظى بنفس المستوى من التطور حتى أنه كان يطلق عليها هاف لندن.. وكانت تربطها وشائج قويه مع عدن ومع دول شبه الجزيره العربيه. وفي خضم تلك الموجه الهائله من المنجزات العلميه.كان المغتربين القادمين من والى عدن اول مايقع في قائمه هداياهم هو اقتناء الراديو لما يحدثه من فرح وبهجه في اوساط الناس .
في هذه الاثناء قدم احد الأشخاص المغتربين من كينيا الى حضرموت .. وكان يحدث الناس عن جهاز الراديو وأثره في تنميه وعي وثقافه المجتمع وكيف لك ان تستمع الى خطابات جمال عبد الناصر..الملتهبه والاستمتاع بحفلات السيده ام كلثوم .. وعبد الحليم حافظ .. وكذلك محمد جمعه خان والمرشدي واحمد قاسم.. في هذه الاثناء قفز الى ذهني مدى سحر وعذوبه هذه العلبه الساحره.. حتى انها سكنتنى واصبحت هاجسا يوميا يؤرقنى.. بل أصبح امر اقتنائي ذلك المغرد الطائر حلما كبيرا من أحلامي الصغيره. وفي اتون هذا المخاض .. وهذا التعلق الشديد بهذا الحلم .. فاجأت أصدقائي من أطفال جيلي ذات يوم بحلمي الكبير في الحياه وذلك حينما رميت بهذه القنبله ( النوويه ) في نظري على اسماعهم وقد كان الانفجار المعرفي مدويا .. حيث ايد الفكره البعض .. و سخر منها وعارضها البعض الاخر.. في هذه الاثناء ووسط هذا السجال انبرى احد الاصدقاء متهكما..انت طفل غر صغير .. وعلى نعومه أظافرك كيف ستستطيع اداره هذا المنجز العملاق.. الملئ بالطلاسم.. فاجبته على الفور.. ساعرف ذلك بسهوله ودون عناء حينما يقول المذيع .. ( هنا عدن ) ومنذ ذلك اليوم أصبح الراديو هاجسي الأول وحلمي الكبير .. الذى حققناه بتأسيس اذاعه سيوون عام ٧٣م مع كوكبه من خيره واجمل رفاق .. الدرب والحلم الجميل .. ( أبوبكر محسن .. وهشام علي.. ومحمد جواس ) وهكذا بالتصميم والاراده يستطيع الإنسان أن يصنع المنجزات ويكون جزأ من صناع الحياه وبناه الأوطان ( خاطرة على هامش اليوبيل الذهبي للإذاعة) .

