إذاعة سيئون | خاص
في عالم الخضروات، ثمة جنود مجهولون يمتلكون قدرات علاجية تتفوق على نظيراتها الأكثر شهرة. “الكراث”، ذلك النبات الأخضر الرشيق الذي ينتمي لعائلة “الآليوم” (الثوم والبصل)، لم يكن مجرد صنف جانبي على المائدة، بل كان عبر التاريخ رمزاً للقوة، وعلاجاً للأباطرة، واليوم، تؤكد الأبحاث العلمية الحديثة أنه “سوبر فود” (Superfood) متكامل الأركان.
قصة تاريخية: من حنجرة “نيرون” إلى موائد الفراعنة
لم يكن الكراث يوماً مجرد نبات عادي؛ ففي مصر القديمة، كشفت البرديات عن مكانته الرفيعة كغذاء مقوٍ. أما في روما القديمة، فقد لُقب الإمبراطور “نيرون” بـ “آكل الكراث”، حيث كان يتناوله يومياً بزيت الزيتون لتحسين جودة صوته وتقوية حباله الصوتية لإلقاء خطاباته. وعند فلاسفة اليونان، وصفه “أبقراط” (أبو الطب) بأنه مدر للبول، ملين للمعدة، وعلاج فعال للعقم وضيق النفس.
المختبر الحديث يتحدث: درع واقٍ وصديق للرشاقة
تجاوز العلم الحديث الملاحظات التاريخية ليؤكد أن الكراث “منجم” صحي؛ فهو يحتوي على مادة “سلفيدات الآليل” التي تقاوم السرطانات، وحمض الفوليك والبوتاسيوم لحماية القلب والشرايين، بالإضافة إلى فيتامين (K) الضروري لقوة العظام. كما يعد خياراً عبقرياً لمرضى السكري والراغبين في إنقاص الوزن بسبب سعراته المنخفضة وأليافه المشبعة.
تكامل الطبين: من علاج “البواسير” إلى حماية الأجنة
تتلاقى حكمة الماضي مع دقة العلم الحديث في فوائد الكراث الطبية؛ فهو ليس مجرد طارد للبلغم وعلاج لبحة الصوت والسعال، بل هو مضاد حيوي طبيعي للجهاز التنفسي. وفي حين استُخدم تاريخياً كمنظف للمعدة، يبرز اليوم كـ “عدو أول للبواسير”؛ حيث تعمل أليافه داخلياً كملين يمنع الإمساك، بينما تُستخدم لبخاته موضعياً في الطب الشعبي لتقليل التورم وتسكين الألم.
أما جمالياً، فينتقل من كونه علاجاً تراثياً للكلف والنمش ليصبح في المختبرات الحديثة مصدراً لـ “اللوتين” الواقي من شيخوخة البشرة. وللمرأة، يظل الكراث الغذاء المثالي؛ قديماً لإدرار الحليب، وحديثاً كمنجم لحمض الفوليك الضروري لسلامة الجنين.
نصيحة الخبراء للاستفادة القصوى
يؤكد خبراء التغذية أن الكراث يفقد جزءاً من كيميائياته النشطة عند الطهي الطويل. لذا، يُنصح بـ:
* الطهي بالبخار: لمدة لا تتجاوز 5 دقائق للحفاظ على مركبات الكبريت.
* استخدام الأجزاء الخضراء: حيث تتركز مضادات الأكسدة في الأوراق أكثر من الرؤوس البيضاء.
* التناول الطازج: إضافته للسلطات يضمن الحصول على كامل فيتامين (C) والزيوت الطيارة.
> خلاصة القول: الكراث ليس مجرد نكهة، بل هو استثمار صحي زهيد الثمن وعظيم الأثر، يجمع بين أصالة التراث ودقة المختبر.

